القرطبي
84
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ويوم نحشرهم ( 1 ) نصب على الفعل المحذوف ، أي ويوم نحشرهم نقول . ( جميعا ) نصب على الحال . والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة . ( يا معشر الجن ) نداء مضاف . ( قد استكثرتم من الإنس ) أي من الاستمتاع بالإنس ، فحذف المصدر المضاف إلى المفعول ، وحرف الجر ، يدل على ذلك قوله : ( ربنا استمتع بعضا ببعض ) وهذا يرد قول من قال : إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس ، لأن الإنس قبلوا منهم . والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه . والتقدير في العربية : استمتع بعضنا بعضا ، فاستمتاع الجن من الإنس إنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم . وقيل : كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب ( 2 ) هذا الوادي من جميع ما أحذر . وفي التنزيل : " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ( 3 ) " . فهذا استمتاع الإنس بالجن . وأما استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر . وقيل : استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون . ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين . ( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) يعني الموت والقبر ، ووافينا نادمين . ( قال النار مثواكم ) أي موضع مقامكم . والمثوى المقام . ( خالدين فيها إلا ما شاء الله ) استثناء ليس من الأول . قال الزجاج : يرجع إلى يوم القيامة ، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ، فالاستثناء قطع . وقيل : يرجع الاستثناء إلى النار ، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات . وقال ابن عباس : الاستثناء لأهل الإيمان . ف " ما " على هذا بمعنى من . وعنه أيضا أنه قال : هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار . ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت ، إذ قد يسلم . وقيل : " إلا ما شاء الله " من كونهم في الدنيا بغير عذاب . ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في " هود " . قول : " فأما الذين شقوا ففي النار " وهناك يأتي مستوفى إن شاء ( 4 ) الله . إن ربك حكيم أي في عقوبتهم وفي جميع أفعال عليم بمقدار مجازاتهم .
--> ( 1 ) نحشرهم بالنون قراءة نافع كما في الأصول . ( 2 ) في ك : بزعيم . ( 3 ) راجع ج 19 ص 8 . ( 4 ) راجع ج 9 ص 99 .